قرأت قديما بأن لجنة في إحدى المسابقات العلمية الرفيعة بأمريكا، كان عليها أن تختار بين طالبين وصلا للمرحلة النهائية للفوز بالجائزة، وكان أحد الطالبين معدما فقيرا، واستطاع بجد وكفاح أن يبتدع المنجز العلمي الذي تقدم به، وكان الآخر سليل إحدى العائلات الثرية ، ومن أسرة غنية جدا، ووافقت اللجنة بالإجماع على منح الطالب الثري الجائزة ، وصدم المجتمع العلمي وقتها، فبررت اللجنة، بأن الدافع لدى الطالب الفقير يدخل فيه تحسين حياته المادية، بينما الطالب الثري لم يدفعه سوى طموحه العلمي..
أسوق هذه القصة بين يدي هذه الرسالة المصورة، وقد قمت بتلبية دعوة كريمة من الزميل العزيز خالد بن حاضر العريفي ، وهو ابن مدينتي الأحب الطائف، وقال بأن شقيقه الأصغر فهد، أتى من الولايات المتحدة الأمريكية وافتتح مطعما للبرجر ، ويود أن نلتقي فيه هناك..
والله ذهبت وفي ذهني أنه مطعم عادي، والشاب سيشرف عليه وهو يلبس ثوبه المفصل في محل (لامار) حيث الثوب الواحد بألف ريال وفوق، وأفاجأ بشاب مهذب مرتديا مريول العمل، ويدخل مع الفلبينيين العاملين، ويقوم بصنع البرجر بطريقة مذهلة..
سأترككم مع هذه الصور، وأنا أنشرها والله تشجيعا له ولأمثاله من شبابنا السعودي الأصيل، وقد اتهمهم رجال الأعمال بأنهم عديمي الموهبة والطموح، وأيضا عرفانا ووفاء لرجل الأعمال الراحل الشيخ حاضر العريفي أحد الأعيان بالطائف، وصاحب الأيادي البيضاء على الدعوة والدعاة، والذي كان يتكفل بمخيمات الهدا الدعوية ويضيف العلماء والدعاة في دارته –لا زالوا إلى اليوم يرتادون مزرعته عند مدخل الطائف للقادم من الهدا، وابنه خالد ورث هذه الصفة عن والده..
يرحم الله الشيخ حاضر العريفي الذي التقيته مرتين، عن طريق الشيخ منصور العامر، ولا أنسى أنه فتح في الحفل الختامي بيته بالكامل بعد أن تساقط المطر، وكاد يفشل الحفل، غير أن استقبل كل المدعوين والحضور الذي كانوا حوالى ألفا ضيف..
الناس يرحلون، ولا تبقى سوى الأعمال الخالدة والذكر الحسن، ومع صور ابنه فهد ، هذا الشاب الطموح ( بالمناسبة هو من أبناء عمومة الشيخ محمد العريفي..بس ولدنا هذا من الطائف، والشيخ العريفي تربيته من الشرقية، هل رأيتم الفرق بين تربية الطائف والشرقية يا شباب) :
استقبلني الشاب الوسيم فهد العريفي ، وباغتني حقيقة ، وأنا لأول مرة ألتقيه وجها لوجه، وفهد بالمناسبة لديه شهادة بكالوريوس من جامعة portland stase universityبالولايات المتحدة، ,ومن تخصصين نظم معلومات والتحليل الكمي ، وتركها على جنب واتجه لولعه بالبرجر الى افتتاح هذه المطعم وتحقيق طموحاته وأمله بأن يفتتح سلسلة مطاعم خاصة به ومن تركيبته السرية الخاصة به والتي تعب لأجل تكوينها
يحكي عن سبب تسميته بالقرن التاسع عشر، وجلب صورا من ذلك القرن ، وقال بأنه قام شخصيا بدراسة البرجر ونشأته وكيفية تحضيره في مطاعم البرجر الشهيرة بأمريكا، وزارها هناك ودخل في صميمها وعمل ببعضها حتى توصل لمقاديره الجديدة ووصفته الخاصة بمطعمه
في نفس المطعم، لا بد للمثقفين وقارئي التاريخ أن يستمزجوا المكان، فهنا حكاية البرجر وكيف بدأت في ألمانيا وانتقلت لروسيا ثم أمريكا.. أعطاني القصة كاملة ، وهي مكتوبة في جدار المطعم
يقومون بتصنيع الخبز في داخل المطعم، لأن له مواصفات، وتذوقت منه، والله تاكله لوحده ، بسبب نعومته، ثمة خصائص لكل برجر، اللحم في مقدمتها والخبز ثانيها، والتوابل وتوابعها الثالثة، كان يحكي بكل الطموح ، ويقول إنه وضع استراتيجة وخطط مرحلية للتوسع، وفي غضون سنوات سيتجاوز بمطاعمه السعودية الى دول الخليج.. أكبرت هذا الطموح فيه والله..
هذه الآلة لصنع العجين والله أعلم إن لم تخني الذاكرة، وهو ملم بكل تفاصيل العمل ، لأنه يشاركهم في العمل ما شاء الله..والافتتاح تجريبي ، وسيكون الافتتاح الرسمي في 11/11/2011م ووعدته بأن أدعو له الدكتور سعد عطية وابراهيم باداود وجماعة عبداللطيف جميل للسعودة، ورهط مثقفين من جدة، يستاهل والله فهد
طبعا عندما وصلت هنا، بادرته – كي أتأكد أن المسألة ليست استعراضا- أن أطهُ لنا البرجر يا فهد، ودققت في قلباته لشريحة اللحم، وتيقنت أنه ماهر، في هذه النقطة يتبين أنه غشيم أو مستعرض فقط، لكنه ما شاء الله، قام بالتقليب كأفضل شيف برجر..وهمهمت في نفسي بأنك نجحت بامتياز
يحكي لي عن البطاطس وكيفية تصنيعها، ويقول بأن انتاجه محلي، والبطاطس يجلبها من الجوف، فأشرت له بأن من خلال خبرتي – حيث جرجرة أبنائي لي في مطاعم البرجر والبيتزا واحجامهم بالكامل عن محلات المظبي والبخاري ورؤوس المندي التي أعشق- ألفيت أن بطاطا ماكدونلدز هي الأفضل على الاطلاق وشطيرة برجر كنج هي الألذ ، بسبب طهوها على الفحم، فقال: جرب ما لدينا واحكم..
في الصورتين ،كيف يشرّح البطاطا أو يقطعها لأجزاء، ولديه نوعان منها بالاضافة الى الحلقات الكريسبي.. العجيب أنه يبقيها بقشرها ، وتعجبت ، لكن عندما جاءتني أكلتها بشهية مفتوحة لأنها كانت فعلا لذيذة..
على يميني الأخ الخلوق والداعي لهذه الزيارة خالد بن حاضر العريفي، والشيف فهد بمريوله الشهير ومنديل القراصنة على راسه، والاخ فهد السحيلي كان حاضرا وأتى في زيارة، وشرفت معه على الطاولة
هنا الامتحان الحقيقي، ففي النهاية لا يود الزبون كل ما رأيتموه، ما يتذوقه هو المهم، الأطرف أن طريقة التقديم فيها ذائقة سعودية، فتفرد السفرة الأنيقة بالورق، مثل سُفر مطاعم المندي، ثم ترمي قطع البطاطا عليها ، بدون صحون ولا هم يحزنون، طبعا عجبتني لأنها ذكرتني بمطاعم المندي وطريقتنا الشهيرة في افراغ الرز على السفرة مباشرة، فهنا طريقة التقديم شعبية تلاءم الخصوصية السعودية
والله لذيذة جدا، ورغم ذلك، قلت له: لدي ابناي أسامة وفراس، هلكوني لا يأكلون الا في مطاعم البرجر والبيتزا، وأمهما حانقة ، وأصيبت الاحباط وبطلت تطبخ – إي والله- من احجامهم الله يهديهم أن يأكلوا السليق والرز وادامات الملوخية والبامية ، فباتا مرجعية تذوق، خصوصا أسامة، فهو من سيحكم، وفعلا ، أتياه مع ابن خالهما ابراهيم ، ودهما المطعم على حين غرة، وعادا يلهجان بالشكر، ويقولان إن السعر ممتاز وهو أقل من فرايديز وفدركز، وما خسرنا كثير ، والطعم ألذ منها ولا ينزل عنها..وقال سأدعو أصحابي اللي في الجامعة إليها، فهي فاخرة وأكلها لذيذ وتجمّل مع المضيف
شهادة أسامة للمطعم كشهادة د.الربيعة في فصل التواءم، خذوها مني..
بصراحة ، الجو شبابي ، ولا يصلح للكهول أمثالي، ولكن لا بأس بين الفينة والفينة من تغيير كي يستعيد الكهل بعض شبابه، بس عاد يبغالها بناطيل وأقمصة شبابية
نظراتي المتشهية وفمي المتحلب للبرجر ، واضحة، وأنا ساخط قائلا: أين هذه الدعوات قبل مباشرتي الريجيم، وطبعا خبصت أمها، وأكلت تلك الليلة حتى أتخمت، من لذتها
الظاهر هي ثلاث أنواع:برجر لحم، وبرجر دجاج، والهوت دوق أو النقانق، جربتها جميعها، وأقسم بالله أني فخرت بهذا الشاب، رغم أنني ألتقيه لأول مرة، طهو من مستوى عال وطعم ولا أروع ما شاء الله عليه..
في وداعي هذا الشاب الطموح الذي أسأل الله تعالى له التوفيق، وأنا أنشر هذه الصور من اعجابي، وأنا من أصر على التصوير ، لأني أزمعت أن أعرّف بطموح هذا الشاب الذي كان يمكن له أن يتوظف في مكان مرموق، بيد أنه آثر أن ينحاز لميوله الحقيقية، فهو يجد نفسه بالكامل في هذا المطعم، وطموحه أن يجعل مما بذل فيه من جهد وتعلم سلسلة مطاعم شهيرة بذائقة سعودية..
أبو أسامة
ع ق 667
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق